روح الزعامة: هل يكون عزيز البلاد يوسفها؟
الحدث الٱن .. ذ.ابراهيم الفتاحي
للمغرب اليوم عزيزها تماما كما كان لمصر القديمة ومثلما أنبأنا بذلك القرآن وهو يقص علينا أحسن القصص، وقد صار النبي العظيم يوسف بن يعقوب عزيزها ومنقذها بعد وفاة مربيه بوتيفار، وبعدما صار المقدم لدى الملك أخناتون، فأوكله بشئون الدنيا لينقذ الناس من الجفاف العظيم، وكذلك كان؛ وبين العزيزين تشابهات، فكلاهما حملا على كاهليهما شئون الزراعة والفلاحة، خطط الأول لمصر الخضراء وخطط الثاني للمغرب الأخضر، وكلاهما توفرت لهما السبل والامكانات، وربما ارتبط الاثنان بحلم النموذج التنموي المنقذ لللبلاد والعباد، نجح عزيز مصر لأنه كان زاهدا في الدنيا يفكر في رسالته وليس في نفسه أو حزبه، خفض جناح الذل من الرحمة للناس، لم يجمع السلطة بالمال و قادهم نحو بر الأمان بالقيم الخلقية التي غرسها عبر سنوات من الصبر على المحن والاجتهاد، ولم يظهر دفعة واحدة وهو يصرخ: أنا قائدكم فاتبعوني، بل آمن الناس بقيادته، ولم يفتخر بعديد الناس الذين اتبعوه، بل سعى لإقناع كل واحد على حدة وكأنه بعث إليه شخصيا دون غيره من الناس، حمل الهموم على كاهله بكل تجرد ونكران ذات.
أما عزيزنا فقد تسلم مقاليد الاستحواذ على حين غفلة، وتوقف الزمن عند خطبه البتراء ودانت الكواسر لحمامته الزرقاء التي تأكل من خبز تحمله عدة أحزاب فوق رؤوسها، حج إليه الناس من كل حدب وصوب طمعا في الاستحمام بأمواج نيله العاتية، فاعتنى بسنبلة واحدة بدل السبعة وهي صفراء يابسة تدل في المنام على الجفاف، وعوض البقرات السبع اختار حصانا واحدا هزيلا ضامرا ينبئ بالقحط القادم في السياسة المغربية.
ولم يختلف العزيزان في الأشياء ذات الدلالة إلا في وردة جاءت بدل العنب يعصر منها ماء الورد بدل الخمرة، ونظرا لكوني من مفسري الأحلام فإني أرى الورد هو ذاك التاريخ الثري الغني لحزب الاتحاد الاشتراكي عصره العزيز عصرا فاغتسل منه وتعطر به لتفوح منه رائحة المشروعية التاريخية والثقل الايديولوجي والفكري.
كم نتمنى أن يكون في عزيزنا شيء من عزيز مصر القديمة، فما أحوجنا إلى القوي الأمين الذي نجعله على خزائن الأرض، وما أحوجنا إلى شخص حكيم عليم، فالعزيز الحقيقي الذي يمكن أن ينقذ هو ذاك الذي يجمع بين المعرفة والحنكة ونكران الذات فيسلم له الناس مقاليد القيادة طوعا، يتبعونه ويسندونه لثقتهم فيه، يبدأ بداية قوية ناجحة، حتى أنه لا يهتم بموقعه وهو يبتغي خدمة الناس، فقد خدم يوسف الناس وهو عبد مملوك، ثم خدمهم وهو سجين محبوس، وأخيرا خدمهم وهو وزير مقرب، لم يساوم بمنصب ولم يسع إليه، بل المنصب هو الذي أتاه فتحمل مسئوليته كاملة غير منقوصة.
إن رحلة البحث عن القيادات سنة بشرية، سواء كانت قيادات سياسية أو عسكرية أو ثقافية أو روحية، لكن يجب على كل أنواع القيادات المذكورة أن تقف جنب القيادة السياسية وتعضدها لنهضة الأمة، أما الرهان على قيادة اقتصادية فلم يترك لنا التاريخ ذكرا عن نموذج منها نهض بأمة من الأمم، وقد يظهر القادة العسكريون فجأة تماما كما ظهرت قيادة أسكيبيوس التي حررت روما من حصار حنبعل القرطاجي، وكما ظهرت قيادة خالد بن الوليد غير المتوقعة في غزوة مؤتة، أما باقي أنواع القيادات فلابد لها من الاختمار في الزمن والكبر بالجهد والكد والمعاناة، وأكثر الأشياء التي تهدم الأمم هي الزعامات التي يصنعها التطبيل والتهليل وتكبر بالهالات الميثولوجية التي يضفيها عليها الغوغاء، فإن كان هذا النوع في السياسة أنتج عبثا فقاعيا لا يلبث أن ينكشف وينزوي في دائرة النسيان لا يذكره أحد إلا ليعلق في عنقه إكليل الإخفاقات ويكيل له الاتهامات، وإن كان في الثقافة أنتج المهرجين أشباه المثقفين ممن يلقى بهم في الزوايا الصفراء بعد حين، أما إن كان في الروحي فإنه ينتج الدجالين وتجار الدين.
وكل هؤلاء يلتقون عند نقطة مشتركة هي أنهم يهدمون أكثر مما يبنون ويجتمع حولهم الانتهازيون والمرضى النفسيون الباحثون عن الخلاص السريع دون مجهود، سواء تعلق الأمر بالدنيا أو بالآخرة، يغلفون كل فعل بزخرف من القول وزورا، ويكررون الأوهام حتى يصدقوها ليواجهوا بها ضمائرهم التي تخزهم من حين لآخر، لأن باقية الانسانية وجوهرها لا تمحى من أحد مهما بلغ به الشر أو الدناءة، وتلك الباقية هي الأمل الذي يعطي لدعوات الخير معنى ويترك لإيقاظ الضمائر فسحة، وهو ما يجب أن ينفذ إليه الخطاب الأخلاقي الذي يجب ألا نتخلى عنه وألا نيأس من تكراره، فهو أولى بالتكرار من الأوهام التي لا يمل زارعوها من ترديدها…
ملحوظة 1: كتبت هذا المقال ونشرته منذ ثلاث سنوات.
ملحوظة 2: حمل البعض هذا المقال يطوف به على المقربين من عزيز أخنوش وحتى عنده شخصيا ليمنعوا ترشحي باسم الحزب في جماعة سيدي عبد الله غياث، التي يرعاها السيد أخنوش شخصيا، حتى قبل أن أطلب أنا تلك التزكية، وذلك ظنا منهم أن تزكية الأحرار هي النجاح وما دونه خسارة.
ملحوظة 2: أنا شخص يغلبه الفكر والتحليل الموضوعي أكثر من الحسابات الانتخابوية.
ملحوظة 3: لقد اعفيت الباحثين عن المقال من التنقيب في جداري وأعدت نشر المقال الذي يعود تاريخه لمارس 2018.
ملحوظة 4: أنا فخور بما أكتب ولا أمسحه أبدا حتى وإن تغير موقفي، وحتى إن كانت الخسائر المعنوية للمكتوب أكثر من أرباحه، أما الأرباح المادية فلا توجد أصلا ولم توجد يوما.
ملحوظة 5: أعترف بالكثير من الأصدقاء والخصوم في جماعة سيدي عبد الله غياث أندادا في السياسة والانتخابات ومنهم من أعترف بتفوقه ويستحق أن أتعلم منه، ولكنني لم أجد بعد من أعترف به ندا في الفكر والمعرفة ( مع كامل التواضع طبعا).
تلكم القصة باختصار….