حسن الشيخ : جمالية المحكي الشعبي
احتفاء بذكرى رحيل الفنان التشكيلي والفاعل الجمعوي حسن الشيخ ( 1966 -2019) التي حلت في عز شهر شتنبر ، نعيد نشر مقال نقدي حول تجربته الإبداعية بقلم شقيقه الناقد الفني و الباحث الجمالي عبد الله الشيخ، هذا نصه : حسن الشيخ صاحب تجربة بصرية فريدة في الحركة التشكيلية بالمغرب خاصة في بعدها العجائبي. لهذا المبدع مراس عصامي عنيد لا يعرف الملل و الاستكانة، يشده من لوحة تركيبية إلى أخرى بعين الراوي الذي يجدد عتبات محكياته الشعبية الشيقة في المكان و الزمان.
يتوفر هذا الفنان، خريج مدرسة الحياة في أحضان الصويرة، على نفس تشكيلي جامح، لأن العين التي يرى بها مرآة قلبه و وجدانه. مبدع بالموهبة و الطبيعة، هو حسن الشيخ. التشكيل البصري (من لوحاته الواقعية الأولى ذات المنزع التشخيصي و التقنيات المختلفة إلى لوحاته الراهنة التي تحتفي بالمقدس و المدنس في الثقافة الشعبية) مجال محكياته المجازية و شهادة ميلاده الاعتبارية.
عندما تسأله عن مهبط إلهامه، يجيبك على التو : “المتخيل الشعبي بكل مروياته المكتوبة والشفهية”. إنه يدرك جيدا بأن أبواب الرؤيا تنفتح كلما انغلقت أبواب الرؤية. هاهنا، لا مجال للعبارة و للإيحاء المباشر. فالمتلقي البصري لأعماله التشكيلية الحكائية مطالب بإتقان فن التأويل و فك الشفرات المرسومة بعناية و حس فطريين.
بدهشة و فضول على طريقة الأطفال الباحثين عن معنى الأشياء و الكائنات، نبحر سويا في مدارات البوح الظاهرة والباطنة لعلنا، في المحصلة النهائية، نقف عند إضاءات النصوص البصرية المفتوحة التي يلتقي فيها المتخيل، و الأسطورة، و التاريخ، والمعيش المشترك.
كل الذين شاهدوا سجلات بوحه البصري المتدفق بمناسبة دورات المعرض الدولي للفن بالدار البيضاء أجمعوا على أننا في خضم مغامرة مزدوجة : مغامرة السرد البصري، و مغامرة القراءة وغوايتها.

وحده حسن الشيخ يمتلك الخيوط الضوئية للعالم التصويري الشاسع و الساحر، لأنه مزج، بشكل غرائبي، الحس و الفكر و المتخيل، و نهل من سيرة الذات و الآخر و الحياة. استطاع هذا الفنان أن يترجم نوادر و طرائف المحكي الشعبي(حكي عبد الرحمن المجذوب، ومرويات و طقوس الأولياء والأضرحة ،وسير الأنبياء في ضوء الروايات الشفهية…الخ) عبر سجلات مشهدية باللون و الشكل تستحضر الذاكرة الجماعية بالانطباعات و الأحاسيس التلقائية التي لا مجال فيها لابتداع و تنميق.
من عتبات الحكي البصري يطالعنا عبق التاريخ الموشوم في أعماقه الطفولية المنبهرة بسحر الطقوس و المقدسات الشعبية (خاصة في أحضان سيدنا بلال، و سيدي عبد الجليل، و سيدي شوبان، و سيدي أحمد السايح بنواحي الصويرة).
أليست الطفولة هي البئر الأولى لدى جبرا ابراهيم جبرا، و الزهرة الوحيدة التي تحن إليها نحلة الفنانين بعيون الشاعر العراقي عبد الحميد الصائم.

حسن الشيخ يرسم حنين الروافد والأصول الشعبية و العالمة معا في حضرة الزمن الطفولي المفقود، معتمدا تارة لغة التصريح و تارة أخرى لغة التلميح و الترميز، و موظفا بلاغة هوامشنا الكبرى والصغرى بشكل مجازي و جريء.
ما سر هذه العودة إلى جذور الماضي السحيق؟ لماذا هذا الافتتان بتاريخ متخيلنا الشعبي المشترك في لحظة الكتابة السردية التشكيلية؟
من خرائطية الأصول و الفروع (جغرافية الفضاءات المحكية، و العادات، و التقاليد، و النوادر، والأساطير الشعبية) يحبك الفنان حسن الشيخ مفردات بصرية لمرويات تحيلنا على معاجم الأسلاف ، والهوامش المنسية، مشتغلا على كتابات جدارية و علامات طلسمية مصاحبة للمتن السردي البصري. الأصيل في تجربة هذا المبدع الراوي هو أنه يصوغ لغة إيحائية تحيل على حقول ثقافية و معرفية متنوعة. فالفنان متمكن من ذاته، و من تقنيات تصويره الصباغي. فهو يحاور المحكي الشعبي و يعيد مشهدته على نحو غرائبي بليغ، محتفلا بصورنا المنقوشة في الوجدان الجمالي من خلال ملكتي الحنين و التذكر، و ذلك عبر إشراقات و تداعيات القول البصري الذي ينهض كتعبير تشكيلي ضارب في العمق الوجودي و الحنين الطفولي.

في نصوص بصرية يتدفق من خلالها النفس التعبيري الأمثولي ALLEGORIQUE)) يطالعنا القول التصويري للفنان حسن الشيخ من حفريات تراثية و ثقافية و تأملات روحية انبهارية و مدهشة تقوم على تجسير الهوة بين الماضي و الحاضر.
تتولد على إيقاعات و مقامات كل لوحة تصويرية كينوناتها الفردية و الجماعية في أسلوب إبلاغي متميز و فريد يختزن طاقة تعبيرية فياضة، و ينضح بقوة أسلوبية تذكرنا بفن المنمنمات و تصاوير الإبداع الشعبي الخام.

أخي حسن الشيخ،
لقد أسهبت و أفضت في التشبث بالجذور، و في تشكيل الهوية بلغة التعدد الثقافي و الاستغراب والغرابة و نقد بنيات المقدس و المدنس، في ضوء أشكال سردية و كتابات بصرية تنهل من منابع متعددة، منها ما يرتبط بالتراث الشفهي كالحكاية و الأسطورة والأحجية و الأمثال و أيضا طرق الحكي و السرد، و منها ما يغرف من التراث الأدبي المغربي و الانساني.
ظل حسن الشيخ مواطنا كونيا بالنظر إلى لغته الصباغية، مع احتفاله الكبير بالجذور المغربية بدون تهليل أو تحجر. لم يمجد هذا الفنان الشعبي الصورة مقابل المحتوى، والشكل بدون المضمون، و المظهر عوض المخبر، و المبنى محل المعنى، و الظاهر مكان الباطن، و السطح بدل العمق، و المنهج عوض الموضوع.
اخترق، بامتياز، عصر الصورة، و استوعب بعد العمق الخارجي الذي يبطن حقيقة الأشياء. هذا الثراء البصري امتداح للصور المشهدية و الأشكال الزخرفية المصاحبة. لا يسعنا إلا أن نتذكر مع الباحث عبد السلام بنعبد العالي مقولة نيتشه :”الظاهر ليس عندي قناعا لا حياة فيه. الظاهر عندي هو الحياة والفعالية ذاتها” (ثقافة الأذن و ثقافة العين).
هكذا، تندرج تجربة الفنان حسن الشيخ ضمن سجلات أنصار العود الأبدي السطحيين من كثرة عمقهم والظاهريين من كثرة باطنيتهم.
فأمام حروب الدنيا المادية يحرص الرسم الرمزي على تأثيث منتدى بصري تتداخل فيه الأزمنة و العصور منتشلا إيانا من متاهة “الغرابة” و “اليتم” لأنه يحمل وعيا شقيا بالتراث، و الحداثة. كل لوحات حسن الشيخ المنجزة ابتداء من عام 2008 تمتلك رأسمالا ثقافيا شعبيا أضفى عليها بشهادة ناظريها و مقتنيها “حرارة” بصرية، لأنها تعتمد في بنياتها العامة على تقنيات النسخ و الاقتباس، و التضمين، و التصريح و التلميح. و هي لعمري مستويات بنائية و مشهدية تطرح في باب “شعرية الحكي و الكتابة التشكيلية” بعيدا عن كل نزعة أخلاقية أو معيارية. فالفنان التشكيلي كالكاتب يومن بلعبة التأليف، و ينتصر لفكرة أن النهل من الروافد المشتركة أمر ضروري، و أن كل فعل تصويري كتابة فوق كتابة، و رسم فوق رسم. كل لوحة، إذن، نص طرسي بليغ و كائن جيولوجي يحمل حاضره و ماضيه في الآن ذاته.
راعي حياة الأشكال و المشاهد الغرائبية، هو الفنان حسن الشيخ الذي يرى إلى التشكيل كاستنساخ بصري مسترسل و كتوليد متواتر. قديما قيل “لولا أن الكلام يعاد لنفذ” و راهنا، يمكن أن نؤكد مع فناني التصوير الشعبي الحديث : “لولا أن الحكي يعاد لنفذ”. المثير أن الفنان حسن الشيخ عندما يحكي المروي الشعبي يخيل إلينا و كأنه يحكيه للمرة الأولى… أليس هذا هو جوهر صناعة التشكيل و الكتابة معا؟
أليس الإبداع في حد ذاته قوة إيجابية تنفي الصورة الأصلية و النسخة معا (ما يصطلح عليه بالسيمولاكر بتعبير جون بودريار)؟
إذا كانت المرآة هي كل ما يعكس صورة، فإن العالم البصري الذي يؤثث معالمه المشهدية الأخ حسن يضج بالمرايا : مرايا الذات،و مرايا الآخر،و مرايا الأنا، و مرايا النحن. فنحن نرى صورنا المكبوتة والمنسية على مرآة الماضي و على مرآة الحاضر.
حدثني مرة أخي حسن قائلا :” لا يمكن أن نعيش اليوم من غير ذاكرة جماعية، ذاكرة لا تنسينا صدمة الحداثة و تجربة الحاضر. فأنا أحاول في عملي التصويري متعدد التقنيات الصباغية أن أحيي المأثور الشعبي الذي لم أعشه إلا عن طريق الرواية الشفهية و لم أدرك معانيه و مغازيه إلا بعد حين. إنني مقتنع تماما بأن هذا الموروث الشعبي الجماعي يساهم في المصالحة بين الأجيال، وإغناء الذاكرة و التاريخ باعتبارهما انسيابا في الزمن ومعايشة لحاضر كثيف.”.
إن الذاكرة لا تعني بالضرورة الامتلاء و التكثيف، مثلما أن النسيان لا يعني بالضرورة الفراغ. إن كل الأعمال الفنية التي نسجتها مخيلة الأخ حسن محاورة للأزمنة الغابرة و المفقودة، و مصالحة كبرى بين التذكر و النسيان، وبين الحضور و الغياب. يدرك حسن بأن جيلنا الحالي هو جيل سندبادي يلتزم بسحر اللحظة التي تعانق الماضي البعيد أو القريب ،و تمتد عميقا لتبلغ المستقبل. أستحضر في هذا المقام المجازي لوحة أخي التي تحتفي بمقدم سندباد البحري إلى الصويرة في أجواء غرائبية شبيهة بأجواء ألف ليلة و ليلة. مع هذه الرحلة السندبادية تكون أفكارنا مثلما حكايانا كلها أولى و كلها أخيرة، كما تكون أصولنا بنات فروعنا. فاللوحة– المشهد من منظور الأخ حسن علامة على حياة و حركة، لا على موت و سكون. أليس الفكر الجمالي سؤالا و بحثا و تقصيا و تركيبا؟

د.عبدالله الشيخ
ناقد فني وشقيق الفنان حسن الشيخ
المصدر : أصوات الصمت، الجزء الأول، الطبعة الأولى 2013، ص 396