استقلالية القضاء وحرية الصحافة خطوط حمراء لا تحتمل المساومة
بقلم : أسامة العثماني( طالب بالمعهد العالي للصحافة و الإعلام بالدارالبيضاء )
ما ظهر في الفيديو الذي نشره الصحفي المهداوي لا يمكن التعامل معه كحادث عابر أو مجرد نقاش داخلي بين الصحفيين، بل هو مرآة تعكس واقعا مختلّا تعيشه الساحة الإعلامية اليوم. حين تظهر هيئة مؤقتة بلا شرعية ديمقراطية واضحة، تتقاضى تعويضات ضخمة وتشتغل في الكواليس والغرف المظلمة، فهذا وحده كاف ليبين أننا أمام حالة انفلات مهني وأخلاقي لا يمكن السكوت عنها.
لكن ما يجعل الأمر أكثر خطورة و عبثا هو الحديث المباشر الذي ورد في التسريب حول “التحكم في النيابة العامة”، وكأن العدالة أصبحت مجالا للتوجيهات و الإملاءات الهاتفية بدل المساطر القانونية. هذا ليس مجرد تجاوز، بل هو تهديد صريح لأساس دولة الحق والقانون، لأن القضاء حين يفقد استقلاليته يفقد المواطن آخر سند و ملاذ يلجأ إليه، وتصبح الحقوق والحريات في مهب مزاج أشخاص يتصرفون في السلطة كما لو كانت ملكا خاصا.
وحين نفهم هذا المشهد، نفهم تلقائيا لماذا تختفي القضايا الكبرى عن دائرة النقاش العمومي: قضايا التعليم، الصحة، التنمية، الفساد المالي، غياب المحاسبة. نفهم كيف تُدفن الملفات الثقيلة تحت ركام التفاهة والجلبة المصطنعة لأن السيطرة على الإعلام تعني السيطرة على الضوء، ومن يتحكم في الضوء يقرر ما يمكن أن يراه الناس وما يجب أن يطمس و يبقى في سديم الظلام. وهكذا يصبح الفساد ضيفا دائما على البلاد، ينهش الموارد بلا مراقبة ولا خوف من الفضح، ما دام من يفترض أنهم “حراس السلطة الرابعة” مشغولون بالدفاع عن مصالح ضيقة بدل الدفاع عن الحقيقة.
عندما يتحول الصحفي إلى أداة للتحكم، يسقط آخر خط دفاع عن المال العام. تسقط المهنة التي تقوم على الجرأة والنزاهة، وتدخل البلاد في مرحلة يصبح فيها المواطن محاصرا بخبر مزيف، وتحليل مُوَجه، وصمت مُشتَرى. لا يضر هذا الانحراف الصحافة وحدها، بل يضرب عرض الحائط الثقة بين المواطن والمؤسسات، ويخلق الإحباط واليأس، ويجعل كل حديث رسمي عن الإصلاح أو الشفافية مجرد كلمات بلا أثر.
لهذا ليست اللحظة لحظة صمت، ولا لحظة تبرير أو انتظار. لأن الثمن الذي يُدفع عندما تُمس استقلالية القضاء أو تنحرف الصحافة ليس ثمنا رمزيا، بل هو ثمن من حياة الناس: في محاكماتهم، في حقوقهم، في مواردهم، في مستقبل أبنائهم. فالقضاء المستقل ليس رفاهية، والصحافة الحرة ليست امتيازا، بل هما المصدر الذي يتنفس منه المجتمع كي يبقى واقفا و أبيا.
ما حدث كشف المستور، وأخرج للعلن ما كان يُقال همسا: أن جزءا من الإعلام لم يعد يمارس دوره الطبيعي، وأن هناك إرادة للتحكم في المسار القضائي من خارج المحكمة. وهذه أمور إذا لم تُواجه بالوضوح والنزاهة، فإنها تتحول مع الوقت إلى قواعد غير مكتوبة تُدار بها البلاد، وهو أخطر ما يمكن أن تصل إليه أي دولة.
المشهد اليوم يحتاج إلى صوت مرتفع، لا إلى همس. إلى مصارحة، لا إلى “كولسة”. إلى صحافة حرة مقدامة، وقضاء مستقل لا تهزه مكالمة ولا يوجهه شخص. الكرامة الإنسانية لا تُجزَّأ، والعدالة لا تُختصر في تعليمات، وإعلام مرتزق لا يمكنه أن يصنع وعيا أو يحمي وطنا.
الصمت في مثل هذه اللحظات ليس حيادا… بل تواطؤ و مشاركة في المعضلة.