*القفطان المغربي من ذاكرة الحضارات إلى قائمة التراث الإنساني*
البشير الخريف. طالب بالمعهد العالي للصحافة والإعلام
صادقت لجنة التراث الثقافي غير المادي التابعة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو)، يوم الأربعاء بالهند، في لحظة تاريخية تعكس عمق الهوية المغربية وغنى تراثها اللامادي، على تسجيل القفطان المغربي في قائمة التراث العالمي اللا مادي.

اعتراف دولي جديد يتوج رحلة طويلة من الإبداع والحرفية والتناقل الثقافي، ويضع هذا اللباس التقليدي الأصيل في منزلة جديدة من الاعتراف الدولي.

وقد أكدت الحكومة المغربية في بيان رسمي أن هذا الادراج المستحق يأتي تتويجا لجهود المملكة في صون تراثها الثقافي، موضحة أن المغرب تقدم بملف متكامل يضم عناصر مهمة تبرز غنى وتطور التراث الثقافي اللامادي المرتبط بالقفطان.

و أوضح البيان أن القفطان أكثر من مجرد لباس إنه رمز حي للهوية المغربية، يتم تناقله من الأم إلى الابنة، ومن المعلم إلى التلميذ منذ أكثر من ثمانية قرون، ويجسد تراثا تقنيا وجماليا استثنائيا يحظى بالاحتفاء في سائر أقطار العالم.
ويعد القفطان المغربي اللباس المعتمد في المناسبات الرسمية والاحتفالية، سواء كانت دينية أو أسرية. و هو يتميز عادة بقطعة واحدة مزركشة بخيوط ذهبية أو فضية، حيث يرصعه الصانع التقليدي بقطع متلألئة من الأحجار، تحاك على أقمشة الحرير أو الدانتيل أو المخمل، في مزيج يبرز مهارة الصناعة التقليدية المغربية و نبوغها الحرفي وعمقها التاريخي.

لا يمكن فصل القفطان عن السياق الحضاري والثقافي الواسع الذي تشكلت فيه الهوية المغربية. فمنذ آلاف السنين، ظل المغرب فضاء مفتوحا لعبور الحضارات وامتزاج الفنون، ما جعل تراثه اللامادي واحدا من أغنى الكنوز في المنطقة.
بدأت أولى معالم الثقافة على هذه الأرض المباركة مع وصول الفينيقيين قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام، حاملين معهم خبراتهم في التجارة وصناعة المعادن والحلي، ومستحدثين أساليب جديدة في الزخرفة والصياغة. وقد حافظت مواقع أثرية مثل ليكسوس و الصويرة القديمة على آثار واضحة لهذا التفاعل.
ومع مجيء الرومان، دخل المغرب مرحلة أكثر نضجا في العمارة والفنون الأخرى، إذ برزت مدينة وليلي كشاهد من أهم القرائن التاريخية بما تزخر به من فسيفساء دقيقة ومسارح وساحات انفردت بطقوس فنية احتفالية.
ورغم هذا الانفتاح الحضاري، ظل الرصيد الأعمق مرتبطا بالقبائل المغربية الأولى التي حافظت على تقاليدها الفنية في اللباس والنقش والصنائع اليدوية. فمن رحم هذا التنوع المحلي لكل ر وافده، نشأ القفطان المغربي الأصيل، والزليج، والفسيفساء، والر قصات الجماعية مثل أحواش وأحيدوس التي شكلت روح الاحتفال الجماعي المرتبطة بالأرض والطبيعة.
مع دخول الإسلام، انفتح المغرب أكثر على الثقافة العربية والأندلسية، فازدهرت العمارة بشكل لافت، وشاع الزليج والخط العربي والنقش الجبصي كعلامات مميزة. كما وجدت الموسيقى الأندلسية مرتعا لها إلى جانب المديح والسماع والملحون، ما أسس لمشهد فني متعدد الطبقات والألوان.
لقد عرف المغرب خلال القرن العشرين نهضة فنية فريدة، سواء في المسرح مع أسماء بارزة مثل الطيب الصديقي، أو في الموسيقى مع موجة السبعينيات التي قادتها مجموعات مثل ناس الغيوان وجيل جيلالة ولمشاهب، والتي أصلت للأغنية المغربية وربطتها بهموم الإنسان المغربي و قضاياه اليومية.
مع بدايات الألفية، دخلت الفنون المغربية مرحلة جديدة من التجديد و التحديث، فقد سطع نجم موجات موسيقية جديدة كالراب والفوزيون، و ارتقت السينما إلى مصارف عالمية، فيما غدت المهرجانات مواعيد سنوية كبرى تستقطب جمهورا واسعا وتحتضنها مدن مثل فاس و الرباط و مراكش والصويرة و أكادير تحت الرعاية الملكية السامية و بدعم من وزارة الثقافة و غيرها من الجهات المسؤولة و المؤسسات المعنية من القطاعين العام و الخاص.
اليوم، يعيش المغرب على وقع تنوع ثقافي غير مسبوق، فالفنون التقليدية لا تزال حاضرة بقوة في الجنوب والأطلس والريف، بينما تنتشر التجارب الحديثة في المدن الكبرى في لوحة فسيفسائية بديعة تجمع في تناغم لافت بين الأصالة و المعاصرة، و بين القفطان والراب، وبين الزليج والفنون الرقمية.
ليس إدراج القفطان المغربي في سجلات التراث العالمي اللامادي ليس مجرد تكريم لقطعة لباس فحسب ، بل هو اعتراف عالمي بمسار حضاري عريق و تلبد، وبهوية ثقافية حية قادرة على التجدد، وببلد ظل دائما جسرا بين الحضارات ومختبرا مفتوحا لابتكار روائع الفن والثقافة والجمال.
بهذا الاعتراف الدولي، يواصل المغرب كتابة فصول جديدة من قصة حياة ثقافية وفنية بدأت منذ آلاف السنين ولا تزال تتجدد و تتواتر عبر الأجيال و عاى امتداد مختلف ربوع المملكة.