جريدة إلكترونية مغربية

اولاَد آسفي

كانت تمرّ بقريتنا خلال سنوات الخمسينات والسّتّينات حَافلاَت بأسماء وأوقات مختلفة، وكذلك بألوَان وأصوَات تميز كل واحد منها عن الآخر :

بوشريط يأتي من الجَديدة نحو آسفي في السّابعة صَباحاً ، نذهب مسرعين للمدرسَة عندما نسمع بوقه القوي ، واحتكاك فرامله ، يسوقه رجل طاعن في السنّ بلحيته البيضَاء المنسَدلة تحت ذقنه البارز في اتجاه صَدره، رجل قاس ومَاهر، من رواد النقل الطرقي بالمنطقة منذ بدايته سنة 1920 .. لم يتردّد  في سكب الماء السّاخن على وجه وأطراف ابنه خلال نقاشات حول منهجية العمل، ظل يعمل بالحَافلة بوجهه المحترق والمسلوخ حتى فترة السّبعينات ..ونظراً لطول تجربة الأب الشّيخ الذي استمر في السّياقة حتى بلغ من الكبر عتياً ، جسّد الأطفال مهارته النادرة، والناتجة عن تراكم تجاربه في النقل الطرقي منذ العشرينات، بأنه أصبح يسوق الحَافلة الضّخمة برجليْه وهو مستلقٍ على ظهره، لأنه حفظ منعرجات الطريق بحال المَا، وكذلك سَائقه المراكشي الشهير بنعيسى ..ويعود في الحادية عشرة ليتحرّر العمال من عمل الحقول المرهق ..

 

وا ابّا الجّيلاَلي بوشريط داز !

 

وكذلك محضَرة الجّامع ..

 

كوبّاطا وهي حَافلة خضراء جميلة ولطيفة ومتحضّرة ، نظيفة للغاية ، تخضَع لعناية شديدة وفائقة من طرف مَسؤوليها ، كما تتميّز بالانضباط التام ، إذ تصل قريتنا في الخامسة فجراً قادمةً من آسفي نحو الدّار البيضَاء ..تقف عند كاراج ولد موسىٰ لتجد بانتظارها جَحافل من الدّوابّ والرجال بعمائمهم البيضاء وهاماتهم الشّامخة.. يرسلون لأبنائهم الذين رَحلوا للمدينة العملاقة  منذ الأربعينات ، بسبب القهر والجَفاف والحُكرَة ..ولا زالوا يحنّون لحياة القرية وحليبها ولبنها ونَخضَة السّمن المكوّرة داخل الشّكوة الجلدية ، التي صُنعت من أضحية العيد الكبير ما قبل المَاضي ، وكل منتوجات قريتنا الخصبة ، من ذرة وقمح وفول وكرينبوش وغيره ..تعود في المَساء في الخامسَة مساءً وقد أعادت الشّكوة فارغة لكن تصَاحبها بعض النقود ومنتوجات الدار البيضاء ، من صَابون وملابس قديمة وحكوكة كيكوز والكوفيتير الفارغة ، وكل ما استغنى عنه الأبناء أو عثروا عليه بالشّوارع ، يتكلف برودو أو بوشعيب ولد الشّتوكية بنقله وتسليمه بأمانة للآباء ، الجَميع يسأل ويلغط بدون انتظام ، بل وسط جوّ من الفوضىٰ العَارمَة :

 

وَا بْرودُو واش صَايفطوا معاك شي حَاجة ؟

 

اولاد آسفي مجموعة حَافلات تتناوب على الطريق بين آسفي والجديدة ومدن مجاورة أخرى لكن بنفس الانضباط ، إذ تقف أمام مدرستنا على الساعة التاسعة صَباحاً ، ونحن نجلس منتظرين وقت الدخول للمدرسة أمام حانوت المرحوم عبد اللّه السّيكليس ، نراجع دروس الفرنسية ، أو نكتب العقوبة عشرات المرّات التي فرضَها علينا سي محمون بسبب التهاون في الحفظ أو الاستيعاب والفهم ..

 

النّحَيلي ، يأتي فجراً من لاَربعة مُول البركي نحو الجَديدة ، زبناؤه معرُوفون من بين التجار الذّاهبين للتسوق من الجديدة ، خاصةً أنواع الدقيق الممتاز من نوع الناقة ، وبضَائع أخرىٰ ، وأيضاً مرتادو المحَاكم حين انتلقت القليّمية من درب السّلطان بالدار البيضاء الى الجديدة سنة 1966..

 

ميكيل كان يملكه نصراني إسباني اسمه ميكيل ، تخصّص في نقل زوار ضَريح سيدي عبد العزيز بنيفّو ، في وقت طبقت شهرته الآفاق لاختصَاصه في مقارعة الجن ومصَارعتهم بكفاءة عالية ، وخاصّةً أثناء انعقاد الموسم أواخر الصّيف آن الكَرم يُعتصَر ..

 

حَافلاَت جَميلة ومزركشة بعناية فائقة أحببناها ، بل أصبحت جزءً أساسياً من حياتنا المدرسية ، وعندما نعمل في الحقول ، أو نرعى مواشينا في البراري الشّاسعة ..رموز حقيقية تؤثث المشهد في كل الفصُول ، وتأتي بأخبار المدن المجَاورة ، وأوقات حلول الأعياد ، خاصّة عيد الفطر حين كنا نبقى صَائمين نتضَوّر جوعاً ، حتى يأتي كارّ ميكيل ويتوقف قرب صَاكة العسكري ، ويعلن المرحوم ادريس ولد سي احمد بن عمر  بأن :

 

الجّديدة معيّدين اليوم !

 

فنهرَع مُسرعين رَاكضين خلف الأبقار وقد امتدّت أعمدَة الدّخان الأزرق فوق الأكوَاخ والنوايْل البئيسة ..نحوَ عنان السّمَاء ..

أو حين كان يتسلّل أحدُنا لكيطون سّي امحمّد وسط حقل الشّمندَر ويضيف ساعة لمكانة الفرّوج ، ليهتف سي امحمد بحماس :

 

بَاقي قسُم !

 

بينما يحرّضُ احمد ولد الشايظمي بّيددّة سعيد على تهديده بنصلة المحشّة الصّدئة :

 

بَاقي نتسَالك المُونة تاعَت شهَر !

 

بينما ترتعش شفتا سي امحمّد من شدّة الرّعب والخوف والغيظ ..

سير تلعَب لخيمتكم آ بلبَعلوك الاَخُر !

أو يقوم بّيدّدّة سعيد بحسَابات غَريبة يحرج بها الجَميع :

 

قايد زَائد جُوج كومية يسَاوي شهَر !

 

حسَن الرّحيبي..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.