تهميش مطالب هيئة التدريس يطرح سؤال تأسيس نقابة خاصة بهذه الهيئة
ليس من فراغ أن يعود سؤال تأسيس نقابة خاصة بهيئة التدريس إلى الواجهة، وليس من قبيل الصدفة أن يُطرح اليوم، في هذا التوقيت بالذات. فحين يطول الإحساس بالتهميش، وتترسخ القناعة بأن الصوت لا يصل، يصبح البحث عن إطار خاص أمرا بديهيا، بل ضرورة وجودية.
رجال ونساء التعليم لا يطالبون اليوم بالامتياز بقدر ما يطالبون بالاعتراف. الاعتراف بأن الأستاذ هو عماد أي إصلاح حقيقي، وأن كل حديث عن مدرسة عمومية قوية يظل ناقصا ما لم يُنصف من يقف يوميا في الواجهة. غير أن هذا الاعتراف ظل مؤجلا، أو مؤطرا داخل تمثيليات نقابية لم تعد قادرة، أو راغبة، في جعل هيئة التدريس أولوية فعلية.
على مدى سنوات، لعبت النقابات التعليمية أدوارا تاريخية لا يمكن إنكارها، لكن التحولات التي عرفها القطاع، وتعدد الإطارات داخله، جعلا من الأستاذ رقما ضمن معادلات معقدة. فالنقابة التي تجمع تحت سقف واحد الأستاذ والمتصرف والمفتش والإداري تجد نفسها، عند أول منعطف حاسم، مطالبة بالترجيح، وغالبا ما يكون الترجيح على حساب من لا يملك غير صوته وعدده.
من هنا وُلدت فكرة نقابة خاصة بهيئة التدريس، نقابة لن تتحدث باسم الجميع، ولن تساوم باسم التوازنات، بل ستجعل من قضايا الأستاذ محور وجودها وسبب شرعيتها. غير أن السؤال لم يعد مرتبطا بمبدأ التأسيس، بل بطبيعته وحدوده: هل تكون هذه النقابة مستقلة بالكامل، أم تابعة لإحدى المركزيات؟
الاستقلالية، في ظاهرها، وعد بالتحرر من كل وصاية. تعني قرارا نقابيا ينبع من القاعدة، وموقفا لا يُراجع إلا بميزان مصلحة هيئة التدريس. لكنها في المقابل ليست طريقا معبدا. فالنقابة المستقلة ستجد نفسها في مواجهة مباشرة مع نقابات تقليدية لن تنظر إليها كإضافة نوعية، بل كتهديد صريح، وستعمل بكل الوسائل على تحجيمها أو عزلها أو التشكيك في مشروعيتها.
ثم إن الاستقلالية تطرح سؤال القوة والامتداد. هل يكفي الرد المشروع لبناء تنظيم قادر على الصمود؟ وهل تستطيع نقابة وليدة، مهما كانت صدقية خطابها، أن تفرض نفسها محاورا مركزيا في ظل تقطيع انتخابي لا يعكس حجمها؟
في الجهة المقابلة، يبدو خيار الانضواء تحت لواء مركزية نقابية أقل كلفة من حيث التنظيم والحماية. يمنح التجربة، والتموقع داخل مشهد تفاوضي جاهز، لكنه يفرض ثمنا سياسيا ونقابيا واضحا. فالنقابة التابعة لا تمتلك دائما حرية القرار، وقد تجد نفسها مضطرة إلى تليين مواقفها، أو تأجيل ملفاتها، أو القبول بتسويات لا تخدم هيئة التدريس، حفاظا على توازنات أوسع لا يكون الأستاذ في صلبها.
وهنا تبرز المفارقة الكبرى: بين نقابة مستقلة تملك القرار لكنها تفتقد القوة، ونقابة تملك القوة لكنها لا تملك القرار كاملا. وبين هذا وذاك، يظل الأستاذ الحلقة الأضعف، ما لم يتحول من موضوع للنضال إلى فاعل فيه.
قد يكون طريق النقابة المستقلة أكثر وعورة، لكنه طريق يضع الأستاذ أمام مسؤوليته التاريخية: إما أن يبني صوته بيده، أو يظل ينتظر من يتحدث باسمه دون أن يسمعه.
رشيد أخريبيش