سماسرة الوهم… حين يصبح الفقر سلعة في سوق الانتخابات
مع اقتراب كل استحقاق انتخابي، تنشط فئة لا علاقة لها بالسياسة ولا بالبرامج: سماسرة الانتخابات. مهمتهم واحدة، واضحة، وقذرة: الكذب على الفقراء، وزرع الوهم في عقولهم، وبيع أصواتهم بالتقسيط لأسيادهم الطامحين إلى المناصب.
المشهد يتكرر كل خمس سنوات. ينزل السمسار إلى الأحياء الهامشية، حيث الفقر والحاجة، وحيث الأمل معلق بخيط واهن. يبدأ في نسج الأكاذيب الكبيرة: “مرشحنا غادي يبني ليكم سبطار”، “غادي يدخل ولادكم كاملين يخدمو”، “غادي يوزع عليكم الأراضي”. وعود يعلم هو قبل غيره أنها لن تتحقق، لكنها البضاعة الوحيدة التي يتقن ترويجها.
السلاح الأقوى في يد هؤلاء السماسرة هو استغلال العوز. 200 درهم، قفة رمضانية، وعد غامض بوظيفة، كافية لتجعل مواطنا أنهكه الفقر يبيع صوته. لا يبيع ورقة فقط، بل يبيع حقه في الصحة، في التعليم، في المحاسبة لخمس سنوات قادمة. السمسار لا يرى في ذلك المواطن إنسانا له كرامة، بل يراه رقما انتخابيا، وبضاعة يجب أن توصل إلى “المعلم” الذي يدفع.
من هو هذا “المعلم”؟ هو المرشح الذي لا يملك مشروعا يقنع به الناس، فيشتري الذمم بدل إقناع العقول. هو السياسي الذي يطمح إلى كرسي البرلمان أو رئاسة الجماعة ليس لخدمة الناس، بل لخدمة مصالحه. هو يستثمر في السماسرة اليوم، لكي يحصد غدا صفقات، وامتيازات، ونفوذا يعوض به أضعاف ما دفعه. المواطن الفقير بالنسبة له مجرد سُلّم يصعد عليه، وبعد الوصول يُرمى السلم.
آلية العمل واضحة: المال يتدفق من المرشح إلى السمسار، والسمسار يوزع الفتات على الفقراء، ويزرع فيهم الوهم بأن “الفرج” قادم على يد سيده. يتم تقسيم الدوائر إلى “ضيعات انتخابية”، ولكل سمسار منطقه، وزبائنه، وسعره. العملية كلها تتم في الظلام، بعيدا عن القانون، وبعيدا عن الأخلاق.
الضحية الأولى هو الفقير الذي صدق الكذبة. يستيقظ بعد الانتخابات على نفس الواقع: نفس الحي المهمش، نفس البطالة، نفس المستوصف بلا دواء. يكتشف أن “المعلم” الجديد انشغل بـ”عرامه” الخاص، وأن السمسار اختفى بعدما قبض عمولته. الضحية الثانية هي الديمقراطية نفسها، التي تتحول من منافسة بين البرامج إلى مزاد علني تُباع فيه إرادة الناس.
هؤلاء السماسرة ليسوا مجرد أفراد معزولين. هم جزء من منظومة فساد انتخابي تجعل الوصول إلى المنصب حكرا على من يملك المال، لا من يملك الكفاءة. وطالما بقي الفقر موجودا، وبقي القانون عاجزا، سيظل سوق النخاسة الانتخابية مفتوحا.
كسر هذه الحلقة يبدأ بفضح الكذب. صوتك ليس 200 درهم، صوتك هو خمس سنوات من مستقبل ابنك. والوهم الذي يزرعه السمسار اليوم، ستحصده أنت بؤسا غدا.