سوق الـمزادات الانتخابية: عندما يطعن الانتهازيون فكرة الحزب في ظهرها
لطيفة بنعاشير
لا يمكن لأي مسار ديمقراطي حقيقي أن يستقيم دون أحزاب سياسية قوية، جادة، ومسؤولة. فالحزب في أصله الفلسفي والدستوري ليس مجرد آلية تقنية، بل هو فكرة نبيلة، ومؤسسة وطنية وجدت لتأطير المواطنين، وصناعة النخب، والدفاع عن المشاريع المجتمعية التي تخدم الصالح العام.
لكن، من أمتع المشاهد الكوميدية—والسوداء في آن واحد—التي تسيء لهذه الفكرة النبيلة، تلك المسافة الزمنية القياسية التي تفصل لدى بعض الفاعلين بين الوفاء العقائدي الأعمى والردة الحزبية الكاملة؛ مسافة لا تقاس بالسنوات، بل ببضع دقائق تلي مباشرة إعلان تزكيات الأمانات العامة.
في تلك اللحظة الحرجة، يسقط قناع الولاء للمشروع، وتتبخر الشعارات التي صدعت بها رؤوس المناضلين؛ ليحل محلها قانون سوق الدلالة الانتخابي، حيث يتحول الفاعل النفعي—بقدرة قادر—من مدافع جسور عن خط حزبه، إلى متسوق يبحث في اللحظات الأخيرة عن أي مظلة بديلة تضمن له البقاء تحت أضواء المجالس، ولو اضطره الأمر للقفز بين نقيضين فكريين دون أن يرف له جفن أخلاقي!
إن هذا الترحال الفج لا يسيء للشخص المغادر وحده، بل يوجه طعنة غادرة لفكرة الحزب نفسها في وعي المجتمع. فعندما يربط هؤلاء بقاءهم داخل الإطار التنظيمي بصك التزكية، فإنهم يقدمون للمواطن برهانا علنيا على أن ولاءهم لم يكن يوما للفكرة أو البرنامج، بل كان للموقع والامتياز.
هؤلاء هم من يحولون الأحزاب في تمثلات الشارع من منارات للتنشئة السياسية والوعي الجماعي، إلى مجرد وكالات تجارية لتأجير التزكيات ومظلات قانونية مؤقتة للوصول إلى صناديق الاقتراع.
السياسة في جوهرها المشرف هي ثبات على المبادئ وتدافع من أجل قضايا الشعب. أما حين يختزل التنظيم الحزبي في مجرد مطية للترشح، فإن هؤلاء المنتقلين يضعون المواطن (الذي نحاول جاهدين استعادة ثقته في المؤسسات) أمام سؤال مشروع ومعبأ بالسخرية: كيف لناخب أن يثق في كائن انتخابي يغير جلده السياسي وقناعاته بين عشية وضحاها لمجرد أن رياح التزكية لم تأت بما تشتهيه سفنه الشخصية؟ وكيف ننتظر من المواطن أن يحترم المؤسسة الحزبية وهناك من يريها إياه كأداة نفعية تستبدل فور انتهاء المصلحة؟
إن الضحية الأكبر في هذا السيرك العبثي هو الوعي السياسي المشترك والمشروع الديمقراطي للبلاد؛ فهذا السلوك الانتهازي هو المغذي الأول لظاهرة العزوف، وهو المسؤول عن ترسيخ الصورة النمطية الظالمة التي تعمم تهمة المصلحية على العمل الحزبي ككل.
إن حماية نبل السياسة والدفاع عن مكانة الأحزاب يفرضان اليوم—أكثر من أي وقت مضى—لفظ هؤلاء الرحالة؛ قانونيا بتشديد عقوبات الترحال المقنع، وسياسيا بإعادة الاعتبار للمناضلين الثابتين في خنادق العمل اليومي. فالمصداقية تظل مرتبطة دوما بالوفاء للمشروع والبرامج قبل السعي إلى المقاعد، والثبات على المبادئ قبل التهافت على المواقع؛ أما دون ذلك، فليس سوى زبد نفعي يذهب جفاء، وتبقى الفكرة الحزبية الحقيقية أرفع من أن تشوهها حسابات الباحثين عن المناصب.