المثقفون المغاربة: بين برج العاج وامتحانات الضمير الوطني
في وقت يمر فيه المغرب بمنعطفات تاريخية حرجة، ويتخبط المواطن في هموم يومية خانقة، يظل السؤال مشروعاً وملحاً: أين اختفى المثقفون؟ هل انشغلوا بلمعان المناصب وبريق الجوائز عن صرخات الوطن الذي يأن؟ أم أن الامتيازات أغرتهم فاصطفوا بجانب المفسدين؟
الانكفاء على الذات وهجران الهم العام
لم يعد خافيا على أحد ذلك الانكفاء الغريب لنخبة كانت يوما ما صوتا للشارع، وضميرا للأمة، وسندا للمستضعفين. فبينما يغرق المواطن المغربي في قضايا معيشية طاحنة، من غلاء المعيشة، وبطالة خانقة، وتردٍّ في الخدمات الصحية والتعليمية، نجد كثيرا من المثقفين منشغلين بكتب تُقرأ في ندوات مغلقة، ومقالات تُنشر في مجلات متخصصة لا تصل إلا لقلة قليلة.
لقد تحول المثقف في كثير من الحالات إلى “نجم” في صالونات النخبة، يخطب في منابر لا يسمعها إلا أمثاله، مستخدما لغة معقدة، ومصطلحات رنانة، بعيداً عن نبض الشارع وهموم المواطن البسيط.
امتيازات التدجين.. وثمن الصمت
غير أن السؤال الأكثر إلحاحا يتعلق بالدوافع الكامنة وراء هذا الغياب. فهل هو خوف؟ أم هو انسياق وراء الإغراءات؟
تشير وقائع الواقع إلى أن المنظومة طورت آليات “تدجين” النخب، عبر منح المناصب، والعضويات في المجالس الاستشارية، والجوائز المرموقة، والبعثات الخارجية، والمقاعد في المؤتمرات الدولية. ومن يقبل بهذه الامتيازات، يجد نفسه مرغما على دفع ثمنها صمتا، أو تبريرا، أو تزويقا للواقع.
وهنا تبرز المأساة الحقيقية: مثقفون كانوا يوما رافضين، ناقدين، ثوارا بالكلمة، تحولوا إلى جزء من المشهد الذي كانوا ينتقدونه، يبررون القبيح، ويمجدون الباطل، مقابل كرسي، أو وسام، أو منصب.
الساكت عن الحق.. شيطان أخرس
في التراث الإسلامي قول مأثور: “الساكت عن الحق شيطان أخرس”. وهذا ما ينطبق تماما على واقعنا الثقافي اليوم. فالصمت عن الفساد، والتغاضي عن الظلم، وعدم نصرة المظلوم، ليس حياداً، بل هو انحياز للظالم، ولو لم يقل ذلك صاحبه صراحة.
بعض المثقفين يدعي أن الظروف لا تسمح، وأن “خطوطا حمراء” لا يمكن تجاوزها. وهذا قد يكون صحيحا في بعض الحالات. لكن هل يعني ذلك السكوت المطلق؟ أم أن هناك مساحات متاحة للنقد البناء، وللكلمة الحرة، وللدفاع عن المبادئ، حتى ضمن الحدود الممكنة؟
التاريخ لن يرحم من خانوا أمانتهم، وباعوا أقلامهم، وتاجروا بمبادئهم. فالأقلام التي كانت يوما سلاحا في وجه الاستعمار، ومنارة في وجه الظلم، أصبحت في أيدي بعض أصحابها مجرد أدوات للزينة والتلميع.
هل من أمل في يقظة جديدة؟
رغم هذا الواقع المرير، لا يزال الأمل موجودا. فالمغرب لا يزال يضم نخبة من المثقفين الشرفاء، الذين لم يبيعوا ضمائرهم، ولم ينحنِ قاموسهم للسلطة أو للمال. لكنهم غالبا ما يكونون في الهامش، أو في السجون، أو في المنافي، أو مغلوبين على أمرهم.
كما أن الفراغ الذي تركه المثقفون التقليديون بدأ يملؤه اليوم صوت الشارع نفسه. فالصحفيون الاستقصائيون، والناشطون الحقوقيون، والمواطنون العاديون الذين يوثقون الفساد وينشرونه، أصبحوا هم “المثقفون الجدد”، الذين لا يحتاجون إلى شهادات عليا أو مناصب رفيعة ليقولوا كلمة الحق.
إن الوطن الذي يأن لا يحتاج إلى كتب تُقرأ في الندوات، ولا إلى خطب تُلقى في القاعات الفخمة. إنه يحتاج إلى ضمائر حية، وأقلام حرة، وقلوب عامرة بالحب والإخلاص.
فإلى مثقفي المغرب: التاريخ يكتب، والذاكرة لا تنسى، والشعب ينتظر. فهل تكونون عند حسن الظن، أم ستبقون في أبراجكم العاجية، تكتبون لأنفسكم، وتقرؤون لأنفسكم، بينما الوطن ينادي، والشعب يستغيث؟
الوطن لا يُبنى بالصمت، ولا تُصان الكرامة بالتبرير. فالضمير الحي هو أساس كل نهضة، والكلمة الحرة هي سلاح كل أمة تريد أن تعيش كريمة