جريدة إلكترونية مغربية

التربية المشتركة: مسؤولية الآباء والأسر والمجتمع في بناء جيل المستقبل

زكية المنصوري

في ظل التحولات الاجتماعية المتسارعة التي يعيشها المجتمع المغربي، تبرز قضية تربية الأبناء كتحدي مصيري يتطلب وقفة جماعية جادة. لم تعد التربية مسؤولية الأبوين فحسب، بل أصبحت قضية مجتمع بأكمله، تتكامل فيها أدوار الأسرة الممتدة، والجيران، والمدرسة، في مواجهة ظاهرة الانحراف القيمي والسلوكي التي تهدد ناشئتنا.

 

تشير العديد من المؤشرات إلى أن عدداً متزايداً من الأسر المغربية باتت منشغلة بتحسين الظروف المادية وتوفير الاحتياجات المعيشية، في حين غفلت عن الأساس الأهم: التربية القائمة على القيم والمبادئ. هذا الخلل في الأولويات أدى إلى فراغ تربوي خطير، ملأه الشارع بسلوكيات لم نعهدها من قبل، من ألفاظ نابية في الفضاء العام، إلى مشاجرات وأفعال تُندى لها الجبين، وصولاً إلى انتهاك حرمة المنازل والجيران

يُلاحظ أن بعض الآباء، بدافع الحب المفرط أو الخوف على الأبناء، أو بحجة “التفتح” و”الحرية”، فتحوا الأبواب على مصراعيها دون ضوابط، مما أدى إلى فقدان السيطرة التربوية. النتيجة كانت خروج بعض الأبناء عن الطاعة، وضعف الروابط الأسرية، وانتشار ظواهر خطيرة كالتنمر والعنف اللفظي والجسدي، وهي سلوكيات لم يعرفها أجدادنا الذين غرسوا فينا قيم الاحترام والأدب.

في مواجهة هذه التحديات، لا بد من إعادة الاعتبار لمفهوم “القرية التربوية” التي تشارك في تنشئة الطفل. فالتربية الناجحة تتطلب:

 

1. **دور الأسرة الممتدة:** الجد والجدة، العم والعمة، الخال والخالة، ليسوا مجرد أقارب، بل هم رافد أساسي للحكمة والتجربة، وداعمون للآباء في ترسيخ الهوية والقيم.

 

2. **دور الجيران:** الجار الشريك في المسؤولية، الذي يراقب بأدب، وينصح بحكمة، ويساهم في خلق بيئة حيّية آمنة تحمي الصغار من الانزلاق.

 

3. **دور الأطر التربوية:** المعلمون والأساتذة هم الشركاء الأساسيون للآباء، فهم لا يلقنون المعرفة فحسب، بل يصنعون الرجال والنساء من خلال غرس الأخلاق والمواطنة.

لإعادة البوصلة إلى مسارها الصحيح، يقترح المختصون عدة إجراءات:

 

– **ملء الفراغ بأنشطة هادفة:** إشراك الأبناء في أنشطة رياضية، ثقافية، وأعمال منزلية بسيطة لتملأ وقتهم وتبني شخصيتهم.

– **العقوبة التربوية الواعية:** الحرمان المؤقت من النزهات أو الامتيازات كعقاب على السلوكيات اللاأخلاقية، مع شرح أسباب العقوبة للطفل ليكون رادعاً ومعلماً.

– **الحوار والقدوة:** استبدال الصراخ بالحوار، والنقد بالقدوة الحسنة، فالأطفال يقلدون ما يرونه أكثر مما يسمعون.

– **التكامل بين البيت والمدرسة:** تعزيز التواصل المستمر بين الآباء والمعلمين لرصد أي انحراف سلوكي ومعالجته مبكراً.

 

إن بناء جيل مسؤول وواعٍ ليس رفاهية، بل هو ضرورة وجودية لمجتمعنا. لقد آن الأوان لنتكاتف جميعاً – آباء، أجداد، جيران، ومعلمين – لاستعادة زمام الأمور، وغرس القيم التي فقدناها، فالأبناء أمانة في أعناقنا، ومستقبل المغرب يُبنى اليوم في بيوتنا ومدارسنا وأزقتنا. فلنعد جميعاً إلى فطرة التربية السليمة، قبل أن يفوت الأوان

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.